عبد الملك الجويني

372

نهاية المطلب في دراية المذهب

يبغي إزعاجه عن مكانه ، فله ألاّ ينزع ( 1 ) ، ثم يجر ذلك الدفعَ وارتفاعَ الحرجِ فيه . والوجهان يجريان على جواز الاستسلام أيضاً ؛ فإنا أجريناهما على تحريمه ، غير أنا إذا جوزنا الاستسلام ، فالأوجه وجوب الهرب حتى لا يهلِك ، ولا يورّطَ صاحبه في التسبب إلى الهلاك . 11248 - والذي قطع به الأئمة ، أنه يجوز للإنسان الذبُّ عن ماله كما يذب عن مهجته . وقال بعض الأئمة : للشافعي في القول القديم أن الدفع عن المال إذا كان لا يتأتى إلا بقتل القاصد أو إتلاف عضو من أعضائه ، فلا يجوز دفعه ، وهذا وإن أمكن توجيهه في القياس ، فهو بعيد في الحكاية . 11249 - وقد حان أن نبتدىء القولَ في تدريج الدفع . قال الأئمة : ينبغي أن يقع الدفع بالأهون فالأهون ، حتى إن أمكن الدفع بالكلام ، فلا مَعدل عنه ، وإن أمكن الدفع بالَّلكْم ، فلا يعلو بالسوط ، ولا ينتقل عنه إلى العصا والمثقّلات . ثم بعد ذلك كله يَشْهَر السلاح . ثم [ إذا قلنا : ] ( 2 ) الاقتصار على الدفع ، [ فلو ] ( 3 ) كان الصائل يندفع بسوطٍ - لو كان - فلم يجده المصول عليه ، ولم يشتمل إلا من ( 4 ) سيفٍ أو سكين ، ولو حذفه بالسيف ، لقتله ، فهذا فيه تردد ؛ فإن الدفع ممكن من غير قتل . هذا وجه . ويجوز أن يقال : ليس يتأتى منه الدفع والحالة هذه إلا بما يجد ، ولا يمكن نسبته إلى التقصير بترك استصحاب السوط . والدليل عليه أن البصير الماهر بالسلاح يدفع صيال الصائل بوجوه لا [ تأتي ] ( 5 ) على الصائل ، ولا [ يستمكن ] ( 6 ) منها كل أحد . ثم

--> ( 1 ) ألا ينزع : أي لا يترك مكانه ، يقال : نزع عنه إذا تركه ، ونزعه عنه أخرجه منه ، وأبعده عنه . ( المعجم ) . ( 2 ) زيادة اقتضاها السياق . ( 3 ) في الأصل : " ولو " . ( 4 ) من بمعنى ( على ) . وجاء على هذا قوله جل وعلا : " ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا " [ سورة الأنبياء : 77 ] . ( 5 ) في الأصل : يتأتى . والمثبت من المحقق رعاية للمعنى . ( 6 ) في الأصل : " يستمد " .